9Dec

ترجمة رواية «منظر شاحب للتلال» للروائي الياباني «كازو إيشيغورو»

للقراءة بصيغة PDF، اضغط هنا.

الفصل الأول

لم يكُن الاسم الذي اخترناه بعد طول تفكير لابنتي الصغرى «نيكي» اسمًا مختصرًا، وإنما كان حلاً وسطاً توصَّلت إليه مع أبيها. للمفارقة، كان هو من يريد منحها اسمًا يابانيًا، لكنني لم أقبل سوى باسم إنكليزي، ربما لرغبة أنانية مكنونة بداخلي في ألَّا يُذكرني شيء بالماضي. وافق أبوها على «نيكي»، بعد أن قدَّر أنه اسم يحمل صدًى شرقيًا غامضًا.

جاءت لزيارتي في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، تحديدًا في أبريل، ولم يكُن النهار قد فقد بعدُ برودته ولا نفض عنه رذاذ المطر. ربما كانت تريد المكوث وقتًا أطول. لا أدري. ضاق صدرها بمنزلي الصيفي والهدوء الذي يكتنفه، وسرعان ما رأيتها تتلهَّف على العودة إلى حياتها في لندن. كانت تستمع إلى ما لديَّ من موسيقى كلاسيكية بنفاد صبر، وتقلِّب صفحات مجلاتٍ عديدةٍ دون أن تقرأ أيًا منها. كان الهاتف يرن في طلبها باستمرار، فتخطو خطوات واسعة على السجادة وملابسها الضيقة تعتصر جسدها النحيف، دون أن تنسى غلق الباب خلفها حتى لا يبلغ مسامعي شيء من حديثها. رحلت بعد خمسة أيام.

لم تذكر «كيكو» في حديثها قبل اليوم الثاني. كان يومًا غائمًا قوية رياحه، وكنا قد قرَّبنا الكراسي إلى النوافذ لنشاهد هطول الأمطار على حديقتي.

سألتني: «هل توقعت أن تريني هناك؟ أعني في الجنازة».

«كلا، لا‌ أظن. لم أتوقع أنك ستحضرين».

«أغضبني الخبر حقًا. كدت أحضر».

«لم أتوقع قط أنك ستحضرين».

«لم يعرف الناس ما أصابني. لم أخبر أحدًا. أظنني كنت خجلى. لم يكونوا ليفهموني حقًا، لم يكونوا ليفهموا بم كنت أشعر. ينبغي للأخوات أن يكُن قريبات من بعضهن، أليس كذلك؟ ربما لا تحب الواحدة أختها كثيرًا، لكنها تبقى قريبةً منها. لكن الأمر لم يكن كذلك. لا أذكر الآن ما كان شكلها».

«نعم. لم تريها منذ وقت طويل».

«صورتها في عقلي هي صورة الشخص المسؤول عن بؤسي. هذا ما أذكره عنها. لكنني شعرت بالحزن حين سمعت الخبر».

ربما لم يكن الهدوء هو ما عجَّل برحيل ابنتي إلى لندن. كانت سيرة «كيكو» غائبةً حاضرةً، تلقي بظلالها علينا مهما كان موضوع حديثنا، مع أننا لم نسترسل في ذكرها.

كانت «كيكو»، على عكس «نيكي»، يابانيةً حتى النخاع، بدرجةٍ أكبر مما أدركته إحدى الصحف الإنكليزية التي التقطت سريعًا طرف الخيط من جنسية «كيكو». لدى الإنكليز فكرةٌ راسخةٌ تقول إن جنسنا يتسم بغريزة انتحارية، كما لو أنَّ الأمر لا يستلزم مزيد شرح؛ فقد كان هذا كل ما نقلته الصحف: فتاة يابانية شنقت نفسها في غرفتها.

كنت أقف في الليلة نفسها أمام النافذة، أتطلَّع إلى الظلمة، حتى سمعت «نيكي» تقول وهي خلفي: «فيمَ تفكرين الآن يا أمي؟». كانت تجلس على الأريكة واضعةً كتابًا ذا غلافٍ ورقيٍ على ركبتيها.

«كنت أفكر في شخصٍ عرفته يومًا. امرأةٍ عرفتها يومًا».

«شخص عرفته حين كنتِ… قبل أن تأتي إلى…»

«عرفتها حين كنت أعيش في ناغازاكي، إن كان هذا ما تقصدينه». وبَقَت تنظر إليَّ، فأضفت: «منذ زمن بعيد. قبل أن ألتقي والدك بوقت طويل».

بَدَت عليها أمارات الرضا، قبل أن تغمغم بتعليق غامض وتعود إلى كتابها. «نيكي» ابنة حنون، ولها في هذا طريقة خاصة. إنها لم تأتِ فقط لترى ما فعله بي نبأ وفاة «كيكو»، بل ساقها إليَّ شعورها بالواجب؛ ففي الأعوام الأخيرة، تولَّت «نيكي» مهمة إظهار الإعجاب بجوانب معينة من ماضيَّ، وقد جاءت لتؤكد لي أن شيئًا لم يتغيَّر، وأنني لا يجب أن أندم على القرارات التي اتخذتها في الماضي. باختصار، جاءت «نيكي» لتؤكد لي أن موت «كيكو» ليس خطئي.

لا أرغب في الاسترسال عن «كيكو» الآن؛ فلا تحمل سيرتها لقلبي عزاءً. إنما ذكرتها هنا في معرِض الظروف التي كانت تحيط بزيارة «نيكي» في أبريل الماضي، وذكرتها لأن ذِكرى «ساشيكو» ساورتني مرةً أخرى بعد طول غياب في أثناء تلك الزيارة. لم أعرف «ساشيكو» جيدًا قط؛ فلم تكن صداقتنا في الواقع سوى أسابيع قضيناها معًا في صيف عامٍ مضى منذ زمن.

كانت أقسى الأيام قد مرَّت. الجنود الأميركيون كانوا منتشرين في كل مكان، كما هي العادة، بسبب القتال الجاري في كوريا. لكن في ناغازاكي، بعد كل ما جرى، عشنا أيام الهدوء والدَعَة. كان العالم يرى في المدينة بُشرى التغيير.

كنت أعيش مع زوجي في شرق المدينة، غير بعيد عن وسطها. كان ثمة نهر يجري بالقرب منا، وقيل لي إن قريةً صغيرةً قامت على ضفافه قبل الحرب. لكن القنبلة سقطت ولم تترك إلا أطلالًا متفحمةً. بدأت إعادة الإعمار واكتمل تشييد أربع بنايات قِوام كل منها نحو أربعين شقة. كانت بنايتنا الأخيرة في ترتيب التشييد، وبعدما اكتملت، تعطَّل برنامج إعادة الإعمار؛ فصار بيننا وبين النهر أرضٌ مواتٌ ممتدة على مساحة عدة فدادين من الحمأ وقنوات الصرف. شكا الكثيرون خطر تلك الأرض على صحة سكان المنطقة؛ فقد كانت حالة الصرف هناك مروعةً حقًا. كانت ثمة فوهات غائرة تملؤها مياه راكدة طوال السنة، وفي أشهر الصيف كان البعوض لا يُطاق. كنا نرى موظفين حكوميين يأتون بين وقتٍ وآخر ليجروا قياسات أو ليكتبوا ملاحظات، لكن مرت الأشهر ولم يتغير الحال.

قاطنو البناية كانوا مثلنا من الأسر الشابة التي تمكَّن رجلها من شغل وظيفة محترمة في إحدى الشركات المتوسعة أعمالها، والعديد من الشقق مملوكة لتلك الشركات، تؤجرها لموظفيها بقيمة مُخفَّضة. كل شقة كانت نسخةً من أختها: الأرضيات مفروشة بحصر «التاتامي» اليابانية، والحمامات والمطابخ ذات طابع غربي. كانت الشقق صغيرة، وما إن تحِل أشهر الدفء حتى تهرب منها البرودة، مع ذلك كان الرضا هو الشعور السائد بين سكان البناية بصفة عامة. لكنني أذكر أنني كنت أشم رائحة تململ العابرين الذي لا أخطئه، كما لو كنا جميعًا نزلاء مؤقتين في انتظار يوم ننتقل فيه إلى مكان أفضل.

لم ينجُ من دمار الحرب وجرَّافات الحكومة إلا كوخ خشبي كنت أراه من النافذة بارزًا في نهاية الأرض الموات دانيًا من حافة النهر. كان تصميمه يشبه الأكواخ الشائعة في الريف، بسقف مائل يكاد يلامس الأرض. اعتدت الوقوف مُحدقةً إليه من النافذة في أوقات فراغي.

بالنظر إلى الاهتمام الذي اجتذبه وصول «ساشيكو»، لا يبدو أنني كنت الوحيدة التي تُحدق إلى ذاك الكوخ. شوهد رجلان يعملان هناك يومًا، فأثارا تساؤلات كثيرة بشأن كونهما مُكلفين من الحكومة أم لا. وبعدها ثار كلامٌ عن أن امرأة وابنتها تعيشان في الكوخ، ورأيتهما بعينيَّ في مناسبات عديدة وهما تقطعان الأرض المبذورة بقنوات الصرف.

كان الوقت قريبًا من بدايات الصيف، وكنت حينها في الشهر الثالث أو الرابع في حملي، حين رأيت للمرة الأولى تلك السيارة الأميركية الكبيرة البيضاء تشق طريقها عبر الأرض الموات إلى النهر. كان الليل يهبط والشمس الغاربة وراء الكوخ تُرسل شعاعها الأخير فيلمع على سطح السيارة.

في عصر يومٍ ما، سمعت امرأتين في محطة الترام تتحدثان عن المرأة التي سكنت البيت المهجور المُطل على النهر. كانت إحداهما تحكي لصاحبتها حديثها مع المرأة في صباح ذلك اليوم، وكيف أن الأخيرة قابلتها بالصدود، ووافقتها الصاحبة أنَّ المرأة الجديدة بدت فظَّة، وربما كان فيها بعضٌ من كِبر. وظنَّت المرأتان أنَّ الغريبة في الثلاثين من عمرها على الأقل؛ إذ إنَّ ابنتها تبدو في العاشرة من عمرها أو أكبر قليلًا. وقالت الأولى إنَّ الغريبة كانت تتحدث بلكنة أهل طوكيو، والأكيد إنها ليست من ناغازاكي. ظلَّت المرأتان تتحدثان عن «الصديق الأميركي» الذي زار الغريبة، وعادت المرأة الأولى إلى الحديث عن الفظاظة التي تعاملت بها الغريبة معها في ذلك الصباح.

لا يراودني شكٌ في أنَّ النسوة اللاتي عشت بينهن آنذاك كان منهن من قاسين في حياتهن المُر ومن سكنت عقولهن ذكريات حزينة مُروعة. لكنني أراهنَّ كل يوم منهمكات في مشاغل الأزواج والأطفال فلا أجد لويلات الحرب وكوابيسها أثرًا واضحًا؛ وما كنت مصدقةً أنهن عشن ذلك لو لم أعرف حق المعرفة. لم أقصد قط أن أبدو فظة، لكنني ربما لم أجتهد حقاً في إظهار اللطف؛ ذلك أن كل ما كنت أتمناه في تلك الفترة من حياتي هو أن يدعني الناس وشأني.

وهكذا أثار اهتمامي حديث المرأتين عن «ساشيكو». أذكر ذلك العصر في محطة الترام كأنه الأمس. كنا في أيامٍ تحاول أشعة الشمس فيها فرض سلطتها بعد موسم المطر في يونيو، والشوارع وأسطح البنايات التي شربت الماء كانت تجف من حولنا. وقفنا على جسر فوق شريط القطار، وعلى أحد جانبي الشريط، عند سفح التلَّة، كنا نرى حشدًا من أسطح المنازل وكأنها تردَّت من فوق التلَّة.

أما بناياتنا فكانت تقف بعيدًا وراء المنازل كأنها أربعة أعمدة إسمنتية. شعرت بنوعٍ من التعاطف مع «ساشيكو» آنذاك، وأدركت قليلًا سبب تحفُّظها الذي لاحظته حين كنت أراقبها من بعيد.

صرنا صديقتين في ذلك الصيف، وأودعتني ثقتها لمدة لم تطُل. لا أذكر بالتحديد كيف التقينا أول مرة، لكن صورة أحد لقاءاتنا الأولى مطبوعة في عقلي، حين لمحت هيئتها أمامي على الطريق المؤدي إلى خارج المجمَّع السكني. أسرعت الخُطى لألحق بـ«ساشيكو»، لكنها كانت تسير بخطوات واسعة. الأكيد أننا كنا نعرف بعضنا آنذاك، بالاسم على الأقل؛ إذ إنني ناديتها باسمها حين اقتربت منها.

التفتت «ساشيكو» إلى وراء ظهرها وتوقفت تنتظرني. سألت: «أهناك مشكلة؟»

قلت وأنا أحاول التقاط أنفاسي: «يسعدني أني وجدتك. رأيت ابنتك تتعارك وأنا خارجة. هناك بالقرب من قنوات الصرف».

«تتعارك؟»

«مع ولد وبنت. بدا عراكًا محتدمًا».

ردت «ساشيكو»: «فهمت»، وبدأت تعاود سيرها وأنا إلى جانبها.

«لا أقصد إزعاجك، لكن العراك بدا فظيعًا. أظن أني رأيت جرحًا على وجنة ابنتك».

«فهمت».

«شاهدتهم هناك، عند طرف الأرض الموات».

قالت وهي مستمرة في سيرها إلى أعلى التلَّة: «أما يزالون يتعاركون في ظنك؟»

«لا أظن. رأيت ابنتك تجري هربًا».

نظرت إليَّ «ساشيكو» وابتسمت قائلةً: «ألا تعرفين عراك الأطفال؟»

«الأطفال يتعاركون كثيرًا، على ما أظن. لكنني فكرت أنه من الواجب عليَّ إبلاغك. وانتبهي، أظن أن ابنتك ليست في طريقها إلى المدرسة. لقد تابع الولد والبنت طريقهما إلى المدرسة، لكن ابنتك كانت تجري باتجاه النهر».

لم ترد «ساشيكو» على كلامي واستمرت في سيرها إلى أعلى التلَّة. تابعت: «في الحقيقة، كنت أود إخبارك بهذا قبل الآن. لقد رأيتُ ابنتك عدة مرات في الأيام الأخيرة. ربما كانت تتهرَّب من المدرسة أحيانًا».

وصلنا إلى مفرق طرق في أعلى التلَّة. توقفت «ساشيكو» والتففنا لنواجه بعضنا.

قالت: «لطف بالغ منكِ أن تهتمي لأمر ابنتي يا (إتسوكو). لطف بالغ. أنا متأكدة من أنكِ ستكونين أمًا عظيمةً».

كنت أعتقد سابقًا أن «ساشيكو» كانت في الثلاثين من عمرها أو نحو ذلك، كما قالت المرأة في محطة الترام. لكن ربَّما كانت هيئتها الشابة تخدعنا؛ إذ إنَّ وجهها يُخبِر عن امرأة أكبر عمرًا. كانت تُحدق فيَّ بتعبيرٍ مبتهج قليلًا، بطريقة جعلتني أضحك ضحكةً خجلى.

وتابعت كلامها: «أقدِّر لكِ تحمُّل عناء البحث عني. لكن كما ترين، أنا منشغلة الآن. يجب عليَّ الذهاب إلى (ناغازاكي)».

«لا مشكلة. فكَّرت فقط أنَّه يجدر بي إبلاغك. هذا كل ما في الأمر».

بقت دقيقةً تنظر إليَّ بالتعبير المبتهج نفسه، ثم قالت: «كم أنتِ طيبة. والآن اعذريني. يجب أن اتجه إلى المدينة». انحنت للتحية، ثم أخذت طريق محطة الترام.

قلت رافعةً صوتي قليلًا: «الأمر فقط أني رأيت جرحًا على وجهها. والنهر غير مأمونٍ في بعض المناطق. فكَّرت فقط أنَّه يجدر بي إبلاغك».

التفتت ونظرت إليَّ مرةً أخرى، وقالت: «إن لم يكن لديكِ مشاغل أخرى يا (إتسوكو)، فربما تتفضلين برعاية ابنتي لبقية النهار. سأعود بعد الظهر، وأنا متأكدة من أنكِ ستصاحبينها سريعًا».

«لن أعترض إن كانت هذه رغبتك. لا أقصد إحراجك، لكنني أعتقد بأنَّ ابنتك ما تزال صغيرةً على أن تُترك وحدها طوال النهار».

قالت «ساشيكو» مرةً أخرى: «كم أنتِ طيبة!»، وابتسمت وهي تتابع: «أنا متأكدة من أنكِ ستكونين أمًا عظيمةً».

افترقت عن «ساشيكو» وقطعت طريق العودة من أعلى التلة إلى الحي، وسريعًا وجدت نفسي أمام المبنى الذي نسكنه، في مواجهة الأرض الموات. لم أرَ البنت في أي مكان؛ فكدت أدخل المبنى، لكنني لمحت شبح حركة على ضفة النهر. أغلب الظن أنَّ «ساشيكو» كانت منكفئةً قبل ذلك، إذ إنَّني تمكَّنت من رؤية جسدها الضئيل بوضوح على امتداد الحمأ. وسوس إليَّ قلبي، في بادئ الأمر، أن أنسى الموضوع كله وأعود إلى أعمال المنزل، قبل أن أسير في اتجاهها، مُحاولةً تفادي المصارف.

بقدرِ ما أذكر، حينذاك كان حديثي الأول مع «ماريكو». أغلب ظني أنَّها لم تأتِ بأي سلوكٍ غريبٍ في ذلك النهار، خصوصًا إذا وضعنا في الاعتبار أني كنت امرأةً غريبةً عنها، وكان لديها كل الحق في تغليب الشك في تعاملها معي. لذا، كان الشعور بالضيق الذي راودني وقتها مجرَّد رد فعل على سلوك «ماريكو».

كان النهر في ذاك الصبح مرتفعة مياهه، تجري مسرعةً بعد موسم المطر الذي انتهى قبل أسابيع قليلة.

بادرتها: «مرحبًا. كنت أتحدث مع أمكِ. أنتِ (ماريكو) بالتأكيد».

ظلَّت الطفلة تحدِّق إليَّ دون أن تنطق. اكتشفت أنَّ ما ظننته جرحًا على وجنتها كان مسحةً من طين.

سألتها: «ألا يجب أن تكوني في المدرسة الآن؟»

استمرت في صمتها لحظةً، ثم قالت: «أنا لا أذهب إلى المدرسة».

«لكن كل الأطفال يجب أن يذهبوا إلى المدرسة. ألا تحبين أن تذهبي؟»

«أنا لا أذهب إلى المدرسة».

«ألم ترسلك أمكِ إلى مدرسة في هذا الحي؟»

لم ترد «ماريكو» وتراجعت خطوةً إلى الوراء مبتعدةً عنِّي.

قلت: «مهلًا. ستسقطين في الماء. الأرض زلقة جدًا».

ظلَّت تحدِّق فيَّ من أسفل الجرف. كنت أرى فردتي حذائها الصغيرتين على الطين بجانبها، يعلوهما الطين مثل قدميها الحافيتين.

قلت لها محاولةً طمأنتها بابتسامة: «كنت أتحدث مع أمكِ منذ قليل. قالت إنَّ ليس لديها مانع إطلاقًا من أن تنتظريها في بيتي. ها هو، في هذا المبنى. يمكنكِ أن تأتي وتذوقي الكعك الذي أعددته بالأمس. ما رأيكِ في هذا يا (ماريكو)؟ يمكنكِ حينها أن تحدثيني عن نفسك كما تريدين».

ظلَّت «ماريكو» تراقبني بحذر. ثم انحنت لتأخذ فردتي الحذاء دون أن تنزع عينيها عنِّي. ظننت في البداية أنَّها علامة على أنَّها ستتبعني، لكنَّني أدركت، وهي تحملق فيَّ، أنَّها كانت تحمل الحذاء استعدادًا لتجري بعيدًا.

ضحكت بعصبية: «لن أوذيك. أنا صديقة أمكِ».

بقدر ما أذكر، كان هذا كل ما جرى بيننا في ذلك النهار. لم أُرِد إفزاع الطفلة أكثر، فقفلت عائدةً إلى بيتي عبر الأرض الموات. أعترف أن رد فعل الصغيرة أغضبني قليلًا؛ فآنذاك، كانت تلك الحوادث الصغيرة قادرةً على أن تثير كل هواجسي بشأن الأمومة. قلت لنفسي إنَّ ما حدث كان أمرًا تافهًا، وإنَّ فرصًا كثيرةً ستواتيني للتقرُّب إلى الطفلة في الأيام المقبلة على كل حال. وهكذا، لم أتحدث مع «ماريكو» بعدها حتى عصر يومٍ ما بعد أسبوعين أو أكثر.

في ذلك العصر فاجأتني «ساشيكو» بدعوةٍ إلى مسكنها، ولم أكن قد دخلت الكوخ قبلها. شعرت فورًا بأنَّ شيئًا معينًا كان يدور في بالها حين دعتني، وكنت على حق.

كان الكوخ مرتبًا، لكنني أذكر أنَّه كان يصرخ رثاثةً؛ فالألواح الخشبية التي تسند السقف كانت تبدو قديمة متداعية، والرطوبة تُثير في المكان رائحة خفيفة. تُركت الأجزاء الرئيسة في مقدمة الكوخ مفتوحةً تمامًا لتسمح لأشعة الشمس بالانتشار في الشرفة، ومع ذلك كان معظم المكان غارقًا في الظل.

كانت «ماريكو» مستلقيةً في الركن الأبعد عن أشعة الشمس. لمحت شيئًا يتحرك بجانبها في الظل، واقتربت لأرى قطةً كبيرةً ترقد ملتفةً حول نفسها على «التاتامي».

قلت: «مرحبًا يا (ماريكو). هل تتذكرينني؟»

فتوقَّفت عن الترتبيت على القطة ونظرت إلى الأعلى.

فتابعت: «التقينا ذات يوم. ألا تتذكرين؟ كنت بقرب النهر».

لم تبدِ الصغيرة أي علامة على أنَّها تُميز هيئتي. نظرت إليَّ قليلًا، ثم تابعت التربيت على قطتها. كان يصل إلى مسامعي صوت «ساشيكو» تُعِد الشاي خلفي على الموقد المفتوح في مركز الحجرة. كنت على وشك التوجه إليها حين قالت «ماريكو» فجأةً: «إنها على وشك الولادة».

«فعلًا؟ كم هذا جميل!»

«أتريدين أحد أولادها؟»

«هذا لطف كبير منكِ يا (ماريكو). سنرى بشأن هذا، لكنني واثقة من أنَّهم سيذهبون إلى بيوت طيبة».

سألت الطفلة: «لمَ لا تريدين قطة؟ المرأة الأخرى قالت إنها ستأخذ واحدة».

«سنرى يا (ماريكو). من كانت السيدة الأخرى؟»

«المرأة الأخرى. المرأة التي تسكن في الجهة الأخرى من النهر. قالت إنها ستأخذ واحدة».

«لكنني لا أظن أن أحدًا يسكن هناك يا (ماريكو). كل ما هناك أشجار وغابة».

«قالت إنها ستأخذني إلى منزلها. هي تعيش في الجانب الآخر من النهر. لم أذهب معها».

نظرت إلى الصغيرة لثانية، قبل أن تخطر لي فكرة جعلتني أضحك قائلةً:

«تلك المرأة كانت أنا يا (ماريكو). ألا تتذكرين؟ طلبت منكِ أن تأتي إلى بيتي بينما كانت أمكِ مسافرةً إلى المدينة».

نظرت إليَّ «ماريكو» مرةً أخرى وقالت:

«لا أقصدكِ أنتِ. أقصد المرأة الأخرى. المرأة التي تعيش في الجانب الآخر من النهر. كانت هنا ليلة أمس، بينما كانت أمي مسافرة».

«ليلة أمس؟ بينما كانت أمكِ مسافرة».

«قالت إنها ستأخذني إلى منزلها، لكنني لم أذهب معها؛ فالظلام كان قد حلَّ. قالت إنَّ بإمكاننا أن نأخذ المصباح معنا»، وأشارت إلى مصباح مُعلَّق على الحائط وتابعت: «لكنني لم أذهب معها؛ فالظلام كان قد حلَّ».

نهضت «ساشيكو» وهي خلفي ونظرت إلى ابنتها. التزمت «ماريكو» الصمت وعادت إلى التربيت على قطتها.

قالت لي «ساشيكو» وهي تحمل طقم الشاي على صينية: «دعينا نخرج إلى الشرفة. الجو هناك أقل حرًا».

فعلنا كما اقترحت، تاركتين «ماريكو» في الركن الذي اتخذته. لم تكن الشرفة ترى النهر، لكنني من موقعي تمكنت من رؤية الأرض التي يزداد انحدارها ويصبح طينها أكثر بللًا كلما اقتربت من الماء. جلست «ساشيكو» على مخدة وبدأت تصب الشاي.

قالت: «المكان عامر بالقطط الضالة. لست متفائلة بمصير هذه القطط حين تُولد».

قلت: «توجد الكثير من القطط الضالة هنا. إنه أمر مخزٍ. هل وجدت (ماريكو) قطتها هذه في مكان ما هنا؟»

«كلا، لقد أحضرنا هذا الكائن معنا إلى هنا. لو كان الأمر بيدي، لكنت تركتها، لكن (ماريكو) لم تقبل بمناقشة الأمر حتى».

«أحضرتماها كل هذه المسافة؟»

«كلا. كنا نعيش في ناغازاكي منذ سنة تقريبًا، عند الجانب الآخر من المدينة».

«حقًا؟ لم أعرف هذا. كنتما تعيشان هناك مع… مع أصدقاء؟»

توقفت «ساشيكو» عن صب الشاي ونظرت إليَّ وهي تمسك بإبريق الشاي بيديها الاثنتين. رأيت في نظرتها شبح التعبير المبتهج الذي قابلتني به في أول لقاء.

قالت أخيرًا: «أخشى أنكِ أبعد ما تكونين عن الحقيقة يا (إتسوكو)». وتابعت وهي تصب الشاي مرةً أخرى: «كنا نعيش في بيت عمي».

«أؤكد لكِ أنني ما قصدت إلا…»

ضحكت وهي تناولني فنجان الشاي: «مفهوم. لا داعي لأن تشعري بالحرج. آسفة يا (إتسوكو). لم أقصد مضايقتك. في الحقيقة، أود أن أطلب منك أمرًا. خدمة صغيرة». وبدأت «ساشيكو» تصب الشاي في فنجانها، وفي تلك الأثناء، انقلبت هيئتها إلى الجدية. وضعت إبريق الشاي بعيدًا ونظرت إليَّ قائلةً: «كما ترين يا (إتسوكو)، لم تسِر بعض ترتيباتي كما كان مُخططًا؛ لذا أنا بحاجةٍ إلى المال، ليس الكثير منه، مبلغ صغير فحسب».

أجبتها بصوت خفيض: «أفهم هذا. الأكيد أنَّه موقفٌ صعبٌ، وتزيد صعوبته مسؤولية (ماريكو)».

«أيمكنني أن أطلب منكِ خدمةً يا (إتسوكو)؟»

انحنيت وقلت لها، وقد صار كلامي أقرب إلى الهمس: «لديَّ مالٌ أدخره لنفسي. يسعدني أن أكون لكِ عونًا».

فاجأتني «ساشيكو» بضحكةٍ مجلجلة، قالت بعدها: «أنتِ طيبة جدًا. لكنني لم أكن أريد اقتراض مالٍ منك. أفكِّر في شيء آخر. لقد ذكرتِ شيئًا ما في حديثنا السابق، صديقةً لكِ تُدير مطعم شعيرية».

«تقصدين السيدة (فوجيوارا)؟»

«قلتِ إنها ربما تريد مساعدًا. وظيفة صغيرة كهذه قد تساعدني كثيرًا».

قلت بتردد: «حسنًا، يمكنني أن أستفسر منها إن أردتِ».

نظرت إليَّ «ساشيكو» قليلًا وقالت: «سيكون لطفًا كبيرًا منكِ. لكنك تبدين مترددة يا (إتسوكو)».

أجبتها: «إطلاقًا. سأسألها متى التقيتها. لكنني كنت أتساءل…»، وخفضت صوتي مرةً أخرى: «من سيعتني بأمر ابنتك في وقت العمل؟»

«(ماريكو)؟ يمكنها المساعدة في المطعم. إنها تجيد المساعدة».

«أنا متأكدة من هذا. لكنني لست متأكدة مما سيكون رأي السيدة (فوجيوارا) بشأن هذا؛ فمكان (ماريكو) الطبيعي في ساعات النهار هو المدرسة».

«أؤكد لكِ يا (إتسوكو) إن (ماريكو) لن تمثل أي مشكلة. والمدارس سُتغلِق بعد أسبوعٍ على أي حال. سأضمن لكِ ألَّا تمثِّل عائقًا. تأكدي من هذا».

انحنيت مرةً أخرى وقلت لها: «سأسألها متى التقيتها».

ارتشفت «ساشيكو» من شايها وقالت: «أنا ممتنة جدًا لكِ. سأسمح لنفسي أن أطلب منكِ أن تقابلي صديقتك في الأيام القليلة المقبلة».

«سأحاول».

«أنتِ طيبة جدًا».

ساد الصمت قليلًا بيننا. كان إبريق الشاي الذي استخدمته «ساشيكو» قد جذب انتباهي؛ كان تحفة فنية مصنوعة من الخزف باهت اللون، وفنجان الشاي الذي كنت أحمله في يدي مصنوع من المادة نفسها. في أثناء تناولنا الشاي أدهشني، ليس للمرة الأولى، التنافر الغريب بين طقم الشاي، ورثاثة الكوخ، الأرض الطينية تحت الشرفة. وجدت «ساشيكو» تراقبني، وقالت: «أنا معتادة على الخزف الأنيق يا (إتسوكو). كما ترين، أنا لا أعيش دائمًا هكذا (وأشارت بيدها إلى أرجاء الكوخ). لا أمانع القليل من خشونة العيش، لكنني ما زلت أتمتع بالفطنة في بعض الأمور».

انحنيت في صمت. وأخذت «ساشيكو» بدورها تُقلِّب فنجانها وتتفحَّصه. قالت فجأةً: «إن قال أحدٌ إني سرقت طقم الشاي هذا فسيكون على حق. ومع هذا، لا أظن أنَّ عمي سيفتقده كثيرًا».

نظرت إليها وعلى وجهي أمارات دهشة. وضعت «ساشيكو» الفنجان أمامها ولوَّحت بيديها محاولةً طرد الذباب.

سألتها: «قلتِ إنَّك كنت تعيشين في منزل عمك؟» فهزت رأسها أن أجل، وقالت: «منزل ليس كأي منزل. به بِركة في الحديقة. مختلف تمامًا عن المنظر الذي نراه هنا».

للحظة التفتنا معًا إلى داخل الكوخ. كانت «ماريكو» في ركنها تمامًا كما تركناها، وظهرها في مواجهتنا. بدت وكأنها تهمس إلى قطتها.

قلت لأكسر صمتًا دام مدة: «لم أكن أعرف أن أحدًا يعيش في الجانب الآخر من النهر».

فالتفتت «ساشيكو» إلى الأشجار على الضفة المقابلة: «كلا. لم أر أحدًا هناك».

«لكن المربية. (ماريكو) قالت إن المربية جاءت من هناك».

«ليس عندنا مربية يا (إتسوكو). أنا لا أعرف أحدًا هنا».

«(ماريكو) كانت تحدثني عن سيدة ما».

«لا تلتفتي إلى كلامها رجاءَ».

«تعنين أنها اختلقت هذه القصة؟»

بدت «ساشيكو» وكأنها تفكِّر في أمرٍ ما، قبل أن تنفضه سريعًا وتقول: «أجل. اختلقت القصة».

«أظن أن الأطفال يفعلون مثل هذه الأمور».

أومأت «ساشيكو» وقالت مبتسمةً: «حين تصيرين أمًا يا (إتسوكو)، ستعتادين مثل هذه الأمور».

بعدها تحدثنا عن أمور أخرى. كنا آنذاك في بدايات صداقتنا، ولم يكُن بيننا سوى تحيات ومجاملات وأحاديث عادية. لم أسمع «ماريكو» تذكر أنَّ امرأةً غريبةً بادأتها بالكلام مرةً أخرى إلا بعد زيارتي للكوخ بأسابيع.